¸ ღ منتديات ســـــما ســــــلقين ღ¸
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة منتديات سما سلقين


ღ ¸ ღ سلقين الخضراء الزاهرة نسمة من نسمات الشام ღ ¸ ღ
 
البوابةالرئيسيةس .و .جدخولالتسجيل
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة الفاتحة (4)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

avatar

عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة الفاتحة (4)   السبت ديسمبر 08, 2012 4:34 pm

الموسوعة القرآنية
فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ

تفسير ـ أسبابنزول ـ قراءات ـ أحكام ـ إعراب ـ تحليل لغة






اختيار وتأليف :
الشاعر: عبد القادر الأسود

المجلد الأوَّل
الفاتحة (5)
ومن هنا يُعْلَمُ سِرُّ كَثْرَةِ افتِتاحِ العَبدِ دُعاءَه بـِ "يا ربُّ، يا ربّ" معَ أنَّهُ تعالى ما عَيَّنَ هذا الاسمَ الكريمَ في الدُّعاءِ ونَفى ما سِواهُ، بَلْ قال: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرحمنَ} الإسْراء:110. وقال: {وَللَّهِ الأسْماءُ الحُسْنَى فادْعوهُ بِهَا}. الأعراف: 180. والسببُ عندَ عُلَماءِ الظاهِرِ أَنَّ الداعيَ لا يَطلُبُ إلَّا ما يَظُنُّه صَلاحاً لِحالِه وتَرْبيَةً لِنَفسِهِ، فناسَبَ أَنْ يَدْعوهُ بِهذا الاسْمِ "رَبّ" ونِداءُ المُربِّي في الشاهدِ بِوصْفِ التربيةِ أقرب ُلِدَرِّ ثَدْيِ الإجابةِ وأَقوى لِتحريكِ عِرْقِ الرَّحمَةِ. أَمَّا عندَ ساداتِنا الصُوفِيَّةِ ـ قَدَّسَ اللهُ تعالى أسرارَهم ـ فيَختلِفُ الكلامُ باختِلافِ المَقامِ فَرْقًا وجَمْعًا، فالأَرْواحُ أَوَّلَ ما شُنِّفَتْ آذانُها وعُطِّرَتْ أَرْدانُها بسَماعِ وصْفِ الرُّبوبِيَّةِ كما يُشعِرُ بذلك قولُه تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ: بلى}. سورةالأَعراف: 172. فهم يُنادونَه ـ سُبحانَه ـ بأوَّلِ اسْمٍ قَرَّرَهم بِه فأقَرُّوا، وأخَذَ به عليهِمُ العهدَ فاسْتقاموا واسْتقَرّوا، فهو حبيبُهم الأوَّلُ ومَفْزَعُهم إذا أَشْكلَ الأمرُ وأَعْضَلَ يُرَدِّدون مَعَ الإمامِ الغَزالي:
تركت هوى سُعدى وليلى بمعزِلِ ........ وعدتُ إلى مصحوبِ أول منزلِ
ونادتْنيَ الأهواءُ مهلاً فهذه ................ مَنازلُ مَن تَهوى رُويدَك فانْزِلِ
وقريبٌ من هذا ما ذَكَرَهُ الشيْخُ الأَكْبَر قُدِّسَ سِرُّه الأَنور ممّا حاصِلُه أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أَوْجَدَ الكَلِمةَ المُعبَّرَ عنْها بالرُّوحِ الكُلِّيِّ إيجادَ إبْداعٍ وأَعْماهُ عن رُؤْيَةِ نَفسِه فبَقِيَ لا يَعرِفُ مِنْ أينَ صَدَرَ ولا كيف صَدَرَ، فَحَرَّكَ هِمَّتَه لِطَلَبِ ما عندَه ـ سبحانَه ـ ولا يَدري أَنَّه عِنْدَهُ:
قدْ يَرحَلُ المَرْءُلِمَطلوبِه .................. والسَّبَبُ المَطلوبُ في الرَّاحِلِ
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَريدِ} ق: 61. فأخذَ في الرِّحلةِ بِهِمَّتِه فأَشْهَدَهُ الحَقُّ ذاتَه فعَلِمَ ما أَوْدَعَ اللهُ تعالى فيه مِن الأَسْرارِ والحِكَمِ وتَحقَّقَ عندَه حُدوثُه، وعَرَفَ ذاتَه مَعرِفَةً إِحاطِيَّةً، فكانت تِلك المَعْرِفةُ غذاءً مُعينًا يَتَقوَّتُ به وتَدومُ حياتُه، فقال لهُ عندَ ذلك التَّجَلِّي الأَقْدَسِ: ما اسْمِي عندَك؟ فقال أَنْتَ رَبِّي، فلم يَعرِفْه إلَّا في حضْرَةِ الرُّبوبِيَّةِ وتَفَرُّدِ القديمِ بالأُلُوهِيَّةِ، فإنَّه لا يَعرِفُه إلَّا هوَ، فقال لَه ـ سبحانَه: أَنتَ مَربوبي وأَنا رَبُّك أَعطيتُك من أَسمائِي وصِفاتي، ولا يَحصُلُ لك العِلمُ إلَّا مِنْ حيثُ الوُجودُ، ولو أُحِطْتَ عِلماً بِي لَكُنتَ أنْتَ أَنا ولَكنتُ مُحاطاً لَك، وأُمِدُّكَ بالأَسْرارِ الإلهيَّةِ وأُربِّيك بها فتَجدُها مَجعولَةً فيكَ فتَعْرِفُها، وقد حَجَبْتُك عن معرِفَةِ كيفيَّةِ إِمدادي لَكَ بِها إذْ لا طاقَةَ لكَ أَنْ تَحْمِلَ مُشاهدتَها إذْ لَو عَرَفتَها لاتَّحدَتِ الأَنيَّةُ، وأَيْن المُركَّبُ مِن البَسيطِ ولا سَبيلَ إلى قَلْبِ الحَقائقِ.. إلى آخِرِ ما قال. ويُعلَمُ منه إشارةً سِرُّ افتِتاحِ الأوصافِ في الفاتِحةِ بِـ "رَبِّ العالمين"، وفيه أيضًا مُناسَبَةٌ لِحالِ البِعْثَةِ وإرْسالِهِ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلى مَنْ أُرسِلَ إليْه، لأنَّ ذلك أَعظمُ تَربيَةٍ للعِبادِ ورَمزٌ خَفِيٌّ إلى طلَبِ الشَّفَقَةِ والرَّأْفَةِ بالخَلْقِ كيف كانوا لأَنَّ اللهَ تعالى رَبُّهم أَجمعين.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، لِكَثْرَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِينَ بِهِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي آخِرِ "آلِ عِمْرَانَ" وَسُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" وَغَيْرِهِمَا، وَلِمَا يُشْعِرُ به هذا الوَصفُ مِن الصِلاة بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالِافْتِقَارِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ}. فَسَمَّى بِنْتَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَهَا. فَعَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ. ومَتَى أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى "رَبِّ" اخْتصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، لِأَنَّهَا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ حُذِفَتا مِنْهُ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ رَبُّ الْعِبَادِ، وَزَيْدٌ رَبُّ الدَّارِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ رَبُّ الْأَرْبَابِ، يَملُكُ المالِكَ والمَمْلوكَ، وهو خالقٌ ذلك ورازِقُه، وَكُلُّ رَبٍّ سِوَاهُ غَيْرُ خَالِقٍ وَلَا رَازِقٍ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ فَمُمَلَّكٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ومُنتَزَعٌ ذلك من يَدِه، وإنَّما يَملُك شيئًا دون شيءٍ، وَصِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، فَهَذَا الفرقُ بيْن صِفَةِ الخالِقِ والمَخلوقين.
قَوْلُهُ تَعَالَى {الْعالَمِينَ} اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي "الْعالَمِينَ" اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ، وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلَ رَهْطٍ وَقَوْمٍ. وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ، قَالَهُ الحسيْنُ بنُ الفَضلِ، لِقولِه تَعَالَى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ} سورة الشعراء، آية: 165. أَيْ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
عِندَ كريمً منهُم مُكَرَّمِ ............................ مُعَلَّمِ آيَ الهُدى مُعَلِّمِ
مُباركٍ للأنبياءِ خاتَمِ ........................... فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَألَمِ
خِندفٌ: أُمِّ بَني إلياسَ بنِ مُضَرَومُدْرَكةٍ وطابِخةٍ، وتَشَعَّبت مِنهم قواعدُ العَرَبِ الكُبْرى، وذَكر العلَّامةُ الشَّنْقيطِيُّ أنَّ العَجَّاجَ كان يُنشدُ: العأْلَم، بالهمز والإسكان. وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى:
تَنَصَّفُهُ الْبَرِيَّةُ وَهُوَ سَامٍ ....................... وَيُضَحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالًا
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: الْعَالَمُونَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً} وَلَمْ يَكُنْ نَذِيرًا لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ. وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ، لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً. قَالَ الْأَعْشَى:
................................... مَا إِنْ سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ:هُمُ الْمُرْتَزِقُونَ، وَنَحْوَهُ قَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: هُمُ الرُّوحَانِيُّونَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كُلُّ ذِي رُوحٍ دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْف عَالَمٍ، الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: إِنَّ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَالَمُونَ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَرِّ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَحْرِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ ابن أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْجِنُّ عَالَمٌ، وَالْإِنْسُ عَالَمٌ، وَسِوَى ذَلِكَ لِلْأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَلْفٌ وَخَمْسُمِئَةِ عَالَمٍ، خَلَقَهُمْ لِعِبادتِه.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا..} سورة الشعراء آية 23. ثُمَّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُوجِدِهِ. كَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ قَالَ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْعِلْمُ وَالْعَلَامَةُ وَالْمَعْلَمُ: مَا دَلَّ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْعَالَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتِمَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، قُلْ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَن الْعَالَمِينَ حَتَّى تُذْكَرَ مَعَ الْحَقِّ؟ قَالَ: قُلْ يَا أَخِي؟ فَإِنَّ الْمُحْدَثَ إِذَا قُرِنَ مَعَ الْقَدِيمِ لَا يَبْقَى لَهُ أثرٌ. فالْعَالَمُونَ جُمْلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْإِيمَانُ.
قولُه جَلَّ وعَلا: {رَبِّ العالمين} قَرَأَ الجُمهورُ"رَبِّ" مَجروراً على النَّعْتِ "لله" أو البَدَلِ منه، وقُرئ منصوباً، وتقديرُه: أَحْمَدُ "ربَّ" العالمين، وقُرئ مرفوعاً فيكون خبراً لِمُبتدأٍ محذوفٍ أي هو "ربُّ".
و"العالمين": خفضٌ بالإِضافةِ، علامةُ خفضِه الياءُ لجريانِه مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، وهو اسمُ جمعٍ لأنَّ واحدَه مِن غيرِ لفظِهِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ جَمْعًا لِعالَم، لأنَّ الصحيحَ في "عالَم" أنَّه يُطلَقُ على كلِّ موجودٍ سوى الباري تعالى، لاشتِقاقِه من العَلامَة بِمعنى أنَّه دالٌّ على صانِعِهِ كما أسلفْنا، وعالَمون بصيغةِ الجمعِ لا يُطلَقُ إلَّا على العُقَلاءِ دونَ غيرِهم، فاستَحالَ أنْ يَكونَ عالَمون جمعَ عالَمٍ؛ لأنَّ الجمعَ لا يَكونُ أَخَصَّ من المُفردِ، ونُقِلَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ "عالَمين" جُمعُ جمعٍ لأنَّ المُرادَ به الملائِكةُ والجِنُّ والإِنسُ. وقيل العالَمون: أَهلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(2)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بَعْدَ"رَبِّ الْعالَمِينَ"، بِأَنَّهُ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِـ "رَبِّ الْعالَمِينَ" تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِـ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمْنَعَ، كَمَا قَالَ:{نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ} سورة الحجر،الآيتان: 49 و 50. وَقَالَ: {غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ}. سورة غافر الآية: 3. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ)).
وبرحمتِه عَرَفَ العبدُ أنَّه الرحمنُ، ولولا رحمتُه لما عَرَفَ أحدٌ أنَّه الرحمنُ، وإذا كانت الرحمةُ إرادةُ النِعْمةِ، أو نفسُ النَعْمةِ ـ كما هي عند قومٍ ـ فالنِعَمُ في أنفُسِها مختلفةٌ، ومراتبُها متفاوتةٌ، فنعمةٌ هي نِعْمةُ الأشباحِ والظواهِرِ، ونِعمةٌ هي نِعمةُ الأرواح والسرائر.
وعلى طريقةِ مَنْ فَرَّقَ بينهما فالرحمنُ خاصُّ الاسمِ عامُّ المعنى، والرحيم عامُّ الاسم خاصُّ المعنى؛ فلأنَّه الرحمنُ رَزَقَ الجميعَ ما فيه راحةُ ظواهِرِهم، ولأنَّه الرحيمُ وَفَّقَ المؤمنينَ لِما بِه حياةُ سرائرهم، فالرحمن بما روَّح، والرحيم بما لَوَّحَ؛ فالتَرويح بالمَبَارِّ، والتلويحُ بالأنوار: والرحمنُ بِكَشْفِ تَجَلِّيهِ والرَّحيمُ بِلُطْفِ تَوَلِّيه، والرحمنُ بما أوْلى مِن الإيمانِ والرحيمُ بما أَسْدى مِن العِرْفان، والرَّحمنُ بِما أَعطى مِن العِرفانِ والرحيمُ بما تولَّى مِن الغُفران، بَل الرحمنُ بما يُنعِمُ بِه مِن الغُفرانِ والرَّحيمُ بما يَمُنُّ به مِن الرُّضوان، بل الرَّحمنُ بما يَكتُمُ بِه والرَّحيمُ بما يُنعِمُ بِه مِنَ الرُّؤيَةِ والعِيان، بلْ الرَّحمنُ بِما يُوَفِّقُ، والرَّحيمُ بما يُحقِّقُ، والتوفيقُ للمُعامَلاتِ، والتَّحقيقُ للمُواصَلاتِ، فالمُعامَلاتُ للقاصِدينَ، والمُواصَلاتُ للواجِدين، والرَّحمنُ بما يَصنَعُ لَهم والرَّحيمُ بما يَدفَعُ عنهم؛ فالصُنْعُ بِجميلِ الرِعايةِ والدَّفْعُ بِحُسْنِ العِناية.
وفي تَكرارِ: {الرحمنِ الرحيم} وجوهٌ أَوَّلُها: ما سَبَقَ من أنَّ رَحمَتيْ البَسْمَلَةِ ذاتيَّتانِ ورَحْمَتَيْ الفاتحَةِصِفاتيَّتان كَمالِيَّتان. والثاني: لِيُعْلَمَ أنَّ البَسْمَلَةَ ليستْ مِنَ الفاتِحةِ ولو كانتْ منها لَما أَعادَهُما لِخُلُوِّهِ مِن الفائدةِ. والثالثُ: أنَّه ذَكَرَ رَبَّ العالَمين فبيَّن أنَّ رَبَّ العالمين هو "الرحمنُ" الذي يَرزُقُهم فى الدنيا، و"الرحيم" الذي يَغْفرُ لَهم في الآخرة، ولذلك ذَكَرَ بَعدَه مالِك يَومِ الدِّين، يَعني أنَّ الرُّبوبِيَّةَ إمَّا بالرَّحمانِيَّةِ وهي رِزْقُ الدُنيا وإمَّا بالرَّحيمِيَّةِ وهي المَغفِرةُ في الآخرةِ. والرابعُ: أنَّه ذَكرَ الحمدَ وبالحمدِ تُنالُ الرحمةُ فإنَّ أَوَّلَ مَنْ حَمَدَ اللهَ تعالى منَ البَشَرِ أَبونا آدمُ عليه السلامُ حين عَطَسَ فقال: الحمدُ لله، وأُجيبَ للحالِ يَرْحَمُكَ ربُّكَ ولذلك خَلَقك. فعُلِمَ أنَّ خُلُقَهُ الحمدُ وبيَّن أنَّهم يَنالون رحمتَه بالحمْدِ. والخامسُ: أنَّ التَكْرارَ للتَّعليلِ لأنَّ ترتيبَ الحمدِ على هذه الأوصافِ أَمارَةٌ عليْه، فالرَّحمانِيَّةُ والرَّحيميَّةُ مِنْ جُمْلَتِها لِدَلالَتِهِما على أنَّه مُختارٌ في الإحسانِ لا مُجبَرٌ، وفي ذلك اسْتيفاءُ أَسْبابِ اسْتِحقاقِ الحَمْدِ مِنْ فيْضِ الذاتِ بِرَبِّ العالمين وفيْضِ الكَمالاتِ بالرَّحمنِ الرَّحيمِ. ولا خارجَ عنهما في الدنيا. وفيضُالأثْوِبةِ لُطْفًا والأَجزيةِ عَدْلًا في الآخرةِ. ومِن هذا يُفهَمُ وجهُ ترتيب الأوصافِ الثلاثة. والفَرقُ بيْن "الرَّحمنِ" و "الرحيمِ" إمَّا باختصاصِ الحَقِّ بالاوَّلِ أو بعمومِه أو بجلائل النِعَمِ. فعلى الأوَّلِ هو الرَّحمنُ بِما لا يَصْدُرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، والرَّحيمُ بما يُتَصَوَّرُ صدورُه منهم.
رُوي عن ذي النون المَصْريِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّه قال: وَقَعَتْ وَلْوَلَةٌ في قَلبي فخَرجتُ إلى شَطِّ النيلِ فرأيتُ عقربًا يَعدو فتبعتُه فوَصلَ إلى ضِفْدَعٍ على الشَطِّ فركِبَ ظهرَه وعبَرَ بِه النيلَ فركِبْتُ السفينَةَ واتَّبعتُه فنَزَلَ وعدا إلى شابٍّ نائمٍ وإذا أَفعى بِقربِه تَقْصدُهُ فتواثَبا وتلادَغا وماتا وسَلِمَ النائمُ، فهذا مِن رحمتِه تعالى بعبادِه أنْ سَخَّرَ العَقرَبَ والضِفدَعَ ليُنقِذَ هذا الشابَّ مِن شَرِّ الأفْعى. والشيءُ بالشيءِ يُذكَرُ فقد حَدَثَ العَكْسُ في زمانِنا،فقد كان رجلٌ مِن مَدينةِ حلبَمتوجِّهًا بسيارَتِه مِن حلَبَ إلى دِمشقَ، وكان الوقتُ صَيْفًا فكان الرجلُ فاتحًا نافذةَ السيارة واضعًا ساعدَه عليها وإذْ بأفعى يَحمِلُها طَيْرٌ جارحٌيَطيرُ بها في كَبِدِ السماءِ، وتُفْلِتُ الأَفعى وتَقَعُ على ساعدِ الرَّجُلِ وتَلْدَغُه فتكون سببًالنهايةِ أَجلِه. فانظرْ إلى عَجائِب تَصرُّفِ اللهِ في خَلْقِه وتصريفه. ويُحكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ إذا خَرَجَ مِن القِشْرِ يَكونُ كلحْمٍ أحمرَ، ويَفِرُّ الغُرابُ منه، فيَجتَمِع عليه البَعوضُ إلى أنْ يَنبُتَ رِيشُه، فعندَ ذلك تَعودُ الأمُّ إليه. فسُبْحانَ مَن لا تَنْتَهي عَجائبُ تَصريفِه.
والمشهور أنَّ "الرحمن الرحيم" صفتان مشبَّهتانِ بنُيَتا لإفادةِ المبالغةِ وأنَّهما مِن "رَحِمٍ" مَكْسورِ العيْن نُقلَ إلى رحمٍ مضمومِها بعد جعلِه لازماً وهذا مُطَّرِدٌ في بابِ المَدْحِ والذمِّ وأنَّ الرَّحمةَ في اللغةِ رِقَّةُ القلْبِ ولِكونِها مِن الكَيْفيَّاتِ التابعةِ للمِزاجِ المُستحيلِ عليه ـ سبحانَه ـ تؤخذُ باعتبارِ غايتِها، إمَّا على طريقةِ المَجازِ المُرسَلِ بذِكرِ لفظِ السببِ وإرادةِ المُسبّبِ، وإمَّا على طريقةِ التَمثيلِ بأنْ شَبَّه حالَه ـ تعالى ـ بالقِياسِ إلى المَرحومين في إيصالِ الخيْرِ إليهم، وإمَّا على طريقةِ الاسْتِعارةِ المُصَرَّحةِ بأنْ يُشبَّهَ الإحسانُ، أو إرادتُه، بجامعٍ تُستعارُ لَه الرَّحمةُ ويُشتَقُّ منها "الرحمن الرحيم" على حَدِّ الحالِ ناطقةً بكذا، وإمَّا على طريقةِ الاسْتِعارةِ المَكْنِيَّةِ التَخَيُّيلِيَّةِ بأنْ يُشبَّه معنى الضميرِ فيهما العائدِ إليه ـ تعالى ـ بمَلِكٍ رِقَّ قلبُه على رعيَّتِه تَشبيهًا مُضْمَراً في النفسِ ويُحذفَالمُشبَّهُ به ويَثبُتُ له شيءٌ مِن لَوازِمِه وهو الرَّحمةُ. وجميعُها لا يَخلو عَنْ مَقالٍ ولا يَسلَمُ مِن رَشْقِ نِبالٍ، للأسباب الاتية:
1 ـلأنَّ الصِفةَ المُشبَّهةَ لا تُبْنى إلَّا مِن لازمٍ فإنَّ ربًّا ومَلِكاً ورَحمانًا ليست منْها لِتعدِّي أفعالِها، ولم يَقُلْ أَحدٌ بنقلِ ما تَعَدَّى منها للفعلِ المَضمومِ العَينِ والمَسْطورِ في المُتونِ المُعَوَّلِ عليها أنَّ"فَعَل" المفتوحِ والمكسورِ إذا قُصِد بِه التعجُّبُ يُحوَّلُ إلى "فعُل" المضمومِ كقَضُوا الرجلَ بمعنى ما أقضاه وحينئذٍ فيه اختلافٌ هل يُعطى حُكمَ نِعْمَ أو فعلَ التعجُّبِ كما فصَّلوهُ ثَمَّةَ وإلْحاقُهم لَه بـ "نِعْمَ" كالصَريحِ في عدمِ تصرُّفِهِ وأنَّه لا يُؤخَذُ منه صفةٌ أصْلاً، وكونُ رَفيعِ الدرجاتِ بمعنى رفيعٍ درجاتُه لا رافعِ الدرجات لا يُجدي نفعًا، وإنَّما فسَّروه بما ذُكِرَ لأنَّ المُرادَ درجاتُ عِزِّه وجَبروتِه ليُناسِبَ المُرادَ مِن قولِه: {ذُو العرشِ يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} غافر: 51. وهي بَسْطَةُ مُلْكِهِ وسَعَةُ مَلكوتِه، وتلك الدرجاتُ ليستْ مرفوعَةً بفعلٍ. ونُقِل ذلك عن الزمخشريِّ في "الفائق" بعد التسليمِ أنَّه مذكورٌ فيه مُعارَضٌ بما صَرَّحَ بِه هو في غيرِه "كالمُفَصَّلِ" على أنَّ قولَهم رحمنُ الدنيا ورحيمُ الآخرةِ بالإضافة إلى المفعول ـ كما نَصَّ عليه ـ دون الفاعلِ يَقتضي عدمَ اللُّزومِ وإنَّهما ليسا بِصِفَةٍ مُشَبَّهةٍ فالأَصَحُّ أنَّهما مِنْ أَبْنِيَةِ المُبالَغَةِ المُلْحَقةِ باسْمِ الفاعِلِ وأُخِذا مِنْ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ وذلك في الرحيمِ ظاهرٌ وقد نَصَّ عليه سِيبَوَيْهِ في قولِهم رحِمَ فُلاناً، وكذا الزَّجَّاجُ، والصيغةُ تساعدُه، وللاشْتِباه في الرحمنِ وعدمِ ذكرِ النُحاةِ له في أَبْنِيَةِ المُبالَغَةِ قال الأعْلَمُ وابنُ مالكٍ: أنَّهُ عَلَمٌ في الأصْلِ لا صِفَةٌ ولا عَلَمَ بالغَلَبَةِ التقديريَّةِ التي ادَّعاها الجُلُّ مِن العُلماءِ.
2 ـ فلأنَّ نَقلَ "فَعِلَ" المَكسورِ إلى "فَعُلَ" المَضمومِ لا يَتوقَّفُ على جعلِه لازماً أوَّلاً لأنَّه بِمُجرَّدِ النقلِ يَصيرُ كذلك، وتحصيلُ المناسبةِ بين المَنقولِ والمَنقولِ إليْه باللُّزومِ لِعَدَمِ الاكْتِفاءِ فيها بمُطلَقِ الفِعْلِيَّةِ ممَّا لا يَخفى ما فيه.
3 ـ فَلِأنَّ كونَ الرَّحمةِ في اللُّغةِ رِقَّةُ القلبِ إنَّما هو فينا وهذا لا يَسْتَلْزِمُ ارْتِكابَ التَجُوُّزِ عندَ إثباتِها للهِ تعالى لأنَّها حينئذٍ صفةٌ لائقةٌ بكمالِ ذاتِه كسائر ِصفاتِه. ومَعاذَ اللهِ تعالى أنْ تُقاسَ بصفاتِ المَخلوقين وأينَ التُرابُ من ربِّ الأربابِ. ولو أوجبَ كونُ الرحمةِ فينا رقَّةُ القلبِ ارتكابَ المَجازِ في الرحمةِ الثابتة له ـ تعالى ـ لاسْتَحالَ اتِّصافُه بما نَتَّصِفُ به، فلِيُوجِبَ كونُ الحياةِ والعِلْمِ والإرادةِ والقدرةِ والكلامِ والسمعِ والبصرِ ما نَعْلَمُه مِنها فِينا ارتكابَ المَجازِ أَيضاً فيها إذا أُثبِتَتْ لله تعالى، وما سَمِعْنا أَحَداً قال بذلك، وما نَدري ما الفَرْقُ بين هذه وتلك وكلُّها بمعانيها القائمةِ فينا يَستحيلُ وصفُ اللهِ تعالى بها. فأمَّا أنْ يُقالَ بالمَجازِ فيها كلِّها إذا نُسِبتْ إليه عَزَّ شأنُه أو بِتركِه كذلك وإثباتِها له حقيقةً بالمَعنى اللائقِ بشأنِه ـ تعالى شأنُه.
والجهل بحقيقةِ تلك الحقيقةِ كالجَهْلِ بحقيقةِ ذاتِه ممّا لا يَعودُ منه نقصٌ إليه سبحانَه بلْ ذلك مِن عِزَّةِ كمالِه وكمالِ عِزَّتِه، "والعجزُ عن دَرَكِ الإدْراكِ إِدْراكُ" فالقولُ بالمَجاز في بعضٍ والحقيقةِ في آخَرَ لا أراهُ ـ في الحقيقةِـ إلَّا تَحَكُّمًا صِرْفاً، بلْ إنَّ جَعْلَ الزمخشريِّ للرحمةِ مَجازاً نزغةٌاعتزاليّةٌ قد حفِظَ اللهُ تعالى منها سَلَفَ المسلمين وأئِمَةِ الدّين، فإنَّهم أَقَرّوا ما وَرَدَ على مَا وَرَدَ وأثْبَتوا للهِـ تعالى ـ ما أثبتَه لهُ نبيُّه صلى الله عليه وسلم مِن غيرِ تَصَرُّفٍ فيه بكِنايةٍ أو مَجازٍ، وقالوا لسْنا أَغْيَرَ على اللهِ من رسولهِ. لكنَّهم نزَّهوا مولاهم عن مُشابَهةِ المُحْدَثاتِ، ثم فوَّضوا إليه ـ سبحانَه ـ تَعيين ما أراده هو أو نبيُّه مِن الصفاتِ المُتشابهات.
والأشعريُّ إمامُ أهلِ السُنَّةِ ذهب إلى ما ذهبوا إليه. وعوّلَ على ما عوّلوا عليه. فقد قال في أوَّلِ كتابِ "الإبانَةِ" الذي هو آخرُ مُصنَّفاته: أَمّا بعدُ. فإن كثيراً من الزائغين عن الحَقِّ مِنَ المُعتَزِلةِ وأهلِ القَدَرِ مالت بهم أهواؤهم إلى التقليدِ لرُؤسائهم ومَن مضى مِن أَسلافِهم فتَأَوَّلوا القرآنَ على آرائهم تأويلاً لم يُنزِّلِ اللهُ به سُلطانًا ولا أَوضحَ به بُرهاناً، ولا نقلوه عن رسولَ ربِّ العالمين صلى الله عليه وسلم، ولا عن السَلَفِ المُتقدِّمين، وساق الكلامَ إلى أنْ قالَ فإنْ قال لنا قائلٌ قد أنكرتم قولَ المُعتزلَةِ والقَدَريَّةِ والجَهْمِيَّةِ والحَروريَّةِ والرافضةِ والمُرْجئةِ فعرِّفونا قولَكم الذي به تقولون. وديانَتَكم التي بها تدينون، قيل له: قولُنا الذي نقول به وديانتُنا التي ندين بها التمَسُّكُ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم وما رُويَ عن الصحابةِ والتابعين وأئمّةِ الحديثِ ونحنُ بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمدُ بنُ حنبلٍ ـ نَضَّرَ اللهُ وجهَهُ ورَفَعَ درجتَه وأَجزَلَ مثوبتَه ـ قائلون. ولمن خالَفَ قولَه مُجانِبون لأنَّه الإمامُ الفاضلُ والرئيسُ الكاملُ الذي أَبان اللهُ تعالى بِه الحقَّ عند ظُهورِ الضلال، وأوضح به المِنهاجَ وقَمَعَ به بِدَعَ المبتدعين وزيغَ الزائغين وشَكَّ الشاكّين. فرحمةُ الله عليه من إمامٍ مُقَدَّمٍ وكبيرٍ مُعَظَّمٍ مُفَخَّمٍ، وعلى جميعِ أئمَّةِ المسلمين. ثم سَرَدَ الكلامَ في بيانِ عقيدتِه مُصَرِّحاً بإجراءِ ما وَرَدَ من الصفاتِ على حالِها بِلا كيْفٍ غيرَ مُتَعَرِّضٍ لتأويلٍ، ولا مُلْتَفِتٍ إلى قالٍ وقِيل.
4 ـلأنَّ إجراءَ الاستعارةِ التمثيليّةِ ـ هنا ـ معَ أَنَّه تَكَلُّفٌ، فيه ـ ظاهراً ـ نوعٌ من سوءِ الأَدَبِ، إذْ لا يُقالُ إنَّ اللهَ تعالى هيئةٌ شَبيهةٌ بهيئةِ المَلِكِ، ولو لم يُرِدْ إطلاقَ الحالِ عليه سبحانَه وتعالى، فهل هذا إلَّا تصرُّفٌ في حَقِّ اللهِ تعالى بما لم يأْذنْ بِه اللهُ، وبلاغةُ القُرآن غنيَّةٌ عن تَكَلُّفِ مثلِ ذلك.
5 ـلأنَّ وجهَ تشبيهِ الإحسانِ في احتمالِ الاستعارةِ المُصرِّحة بالرحمة التي هي رِقَّةُ القلبِ غيرُ صريحٍ لأنَّه لا يُنتَفَعُ بها نفسِها، وإنَّما الانتفاعُ بآثارها، وكم ممَّن رَقَّ قلبُه على شخصٍ حتَّى أُرِّقَ له لم ينفعْه ولا أعانَه بشيءٍ.
6 ـلأنَّ كونَ الرحمنِ أبلغُ من الرحيمِ غيرُ مُسَلَّمٍ به، وإنْ قال الراغبُ الأصفهانيُّ: إنَّ فَعيلاً لِمنْ كَثُرَ منه الفِعلُ، وفَعْلان لِمَن كَثُرَ منه وتكرَّرَ، حتَّى قيلَ الرحيمُ أبلغُ لتأخُّرِهِ، وقولُ ابنِ المُبارَكِ الرحمنُ إذا سُئلَ أعطى والرحيمُ إذا لم يُسألْ غَضِبَ، وقيلَ هما سواءٌ لِظاهر ِالحديثِ الذي أخرجه الحاكمُ في "مُستدركه" مرفوعاًSad(رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما)) وإليْه ذهبَ الجُوَيْنيُّ وقرَّرَه بأنَّ فَعلان لِمن تَكرَّرَ منه الفعلُ وكَثُر، وفَعيل لِمن ثَبَتَ منه الفعلُ ودامَ، وفرَّقَ بعضُهم بينَهما، بأنَّ الرحمةَ دالٌّ على الصِفةِ القائمةِ به تعالى، والرحيمُ دَالٌّ على تعلُّقِها بالمَرحومِ، فكان الأوَّلُ للوصفِ والثاني للصِفَةِ، فالأوَّلُ دالٌّ على أنَّ الرحمةَ صفتُه والثاني دالٌّ على أنَّه يَرحَمُ خلقَه بِرحمتِه، وإذا أردتَ فهمَ ذلك فتأمَّلْ قولَه تعالى:{وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} الأحزاب: 3 4 و{إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة: 117 ولم يَجِئْ قَطُّ "رحمن" فإنَّه يُسْتَشْعَرُ منه إنَّ "رحمن" هو الموصوفُ بالرحمةِ، و"رحيم" هو الراحم برحمتِه. وما ذُكرَ من قولِهم بأنَّ زيادةَ البِناءِ تَدُلُّ على زيادةِ المَعنى قاعدةٌ أغلبيَّةٌ أسَّسَها ابنُ جِنِّي فلَعلَّها لا تَثْبُت معَ "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم" وقد نُقِضت بحذَرٍ فإنَّه أَبلغُ مَن حاذَرَ مع زيادة حروفِه، فإنْ أُجيبَ بأنَّها أَكثَريَّةٌ فيَا مَرَحبًا بالوِفاقِ وإنْ أُجيبَ بأنَّ ما ذُكر لا ينافي أنْ يَقع في البناء إلَّا نقصُ زيادَة معنى بسببٍ آخرَ كالإلحاقِبالأمورِ الجَبْليَّةِ مِثلُ شَرَهٍ ونَهَمٍ فجازَ أنَّ حاذِراً أبلغُ مِن حَذِرٍ لِدَلالتِه على زِيادة الحَذَرِ، وإنْ لم يَدلَّ على ثُبوتِه ولُزومِه، فهو على ما فيه لا يَصفو عن كَدَرٍ لأنَّهم صرَّحوا بأنَّه قد كَثُرَ استعمالُ فَعيلٍ في الغَرائزِ كَشريفٍ وكريمٍ، وفَعْلان في غيرِها كغَضبان وسَكران، فيَقتضي أنَّه أبلغُ ولو مِن وجهٍ، أو لا فسَواءٌ، وإنْ أُجيبَ بأنَّ القاعدةَ فيما إذا كان اللَّفظان المُتلاقيان في الاشتِقاقِ مُتَّحِدِيِّ النوعِ في المَعنى، كَغَرْثٍ وغَرثان وصَدٍ وصَديان، ورحيمٍ ورحمن، لا كَحَذِرٍ وحاذرٍ، للاختلافِ فإنَّ أحدَهما اسمُ فاعلٍ والآخرُ صفَةٌ مشبَّهةٌ، فيُقال قد صرَّحَ ابنُ الحاجِبِ بأنَّه مِنْ أَبْنِيَةِ المُبالَغَةِ المَعدودةِ مِن اسْمِ الفاعِلِ، فهما متَّحِدان نَوعاً أَيْضًا فيَحصلُ الانتِقاضُ البتَّةَ. ثمَّ إنِهم استشكلوا الأَبْلَغِيَّةَ بأنَّ أصلَ المُبالَغةِ مما لا يمكنُ هنا لأنَّها عِبارةٌ عن أنْ تُثبِتَ للشيءِ أكثرَ ممَّا لَه وذلك فيما يَقبلُ الزِيادةَ والنَّقصَ، وصفاتُه تعالى منزَّهَةٌ عن ذلك لاستِلْزامِه التَغَيُّرَ المُسْتَلْزِمَ للحدوثِ، وأُجيبَ بأنَّ المُرادَ الأكثريَّةُ في التعلُّقاتِ والمُتَعلِّقات، لا في الصِّفةِ نفسِها، وهذا إذا كانت صفةَ ذاتٍ، وإنْ كانت صفةَ فعلٍ فلا إشكالَ على ما ذَهَبَ إليْه الأَشاعِرةُ مِنَ القولِ بِحُدوثِها. وأمَّا على ما ذهب إليْهالماتُريديَّةُ القائلونَ بقِدَمِ صفةِ التكوين، فيُجابُ بما أُجيبَ به عن الأوّلِ.
7 ـ فعلى الأوَّلِ قيلِ يا رحمنَ الدُنيا لأنَّه يَعُمُّ المُؤمِنَ والكافِرَ، ورحيمَ الآخِرةِ لأنَّه يَخُصُّ المُؤمِنَ، إنْ أَرادوا بِه أنَّأَبْلَغِيَّةَ الرَّحمنِ ههنا باعتبارِ كَثرةِ أَفرادِ الرَّحمَةِ في الدنيا لوُجودِها في المُؤمنِ والكافر فلا يَستقيم عليه، ورحيمُ الآخِرَةِ إذْ النِعَمُ الأُخْرَوِيَّةُ غيرُ مُتناهِيَةٍ وإنْ خَصَّتِ المُؤمِنَ، وإنْ أَرادوا أنَّها باعتبارِ كَثْرَةِ أَفرادِ المَرحومين فلا يَخْفى أنَّ كَثْرَةَ أَفرادِهم إنَّما تُؤَثِّرُ في الأبْلَغِيَّةِ باعتِبارِ اقْتِضائها كَثْرَةَ أَفرادِ الرَّحْمَةِ في الدُّنيا أَيْضًا، ومَعلومٌ أَنَّ أَفرادَ الرَّحْمَةِ في الآخِرةِ أَكثرُ منها بِكثيرٍ، بلْ لا نِسبَةَ للمُتناهي إلى غيرِ المُتناهي أصلاً. فهذا الوجهُ مَخدوشٌ على الحاليْن، على أنَّ في اخْتِصاصِ رحمةِ الآخرةِ بالمُؤمنين مَقالاً إذْ قدْ وَرَدَ في الصَّحيحِ شَفاعتُه صلى الله عليه وسلَّم لعامَّةِ النَّاسِ مِنْ هوْلِ المَوقِفِ:{عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}الإسراء: 79.
ورُوِيَ تَخفيفُ العَذابِ عن بعضِ الأشقياءِ في الآخِرةِ. وكونُ الكفَّارِ في الأوَّلِ تَبَعًا غيرَ مقصودين،كيف وهم بعدَ الموقِفِ يُلاقون ما هو أَشَدّ منه؟ فليس ذلك رحمةً في حَقِّهم. والتخفيفُ في الثاني على تقديرِ تحقُّقهِ نُزولٌ مِن مَرتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الغَضَبِ إلى مَرْتَبَةٍ دونَها فليس رَحمَةً مِنْ كُلِّ الوُجوهِ، ليس بشيءٍ للأسباب الآتية:
ـ لأنَّ القصدَ تَبَعاً وأصالةً لا مَدخِلَ له وحَبَّذا الولدُ مِن أينَ جاءَ.
ـلأنَّ مُلاقاتِهم بعدُ لِما هو أشدُّ، فلا يكونُ ذلك رحمةً في حقِّهم يستدعي أنْ لا رحمَةَ مِنَ اللهِ تعالى لِكافِرٍ في الدنيا، كما قِيلَ به، لِقولِهِ تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} آل عمران: 178. ولقولِه تعالى: {ولا تعجبْكَ أموالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُريدُ اللهُ أنْ يُعذِّبَهم بها} التوبة: 85. فيَبْطُلُ حينئذٍ دعوى شُمُولِ الرَّحْمةِ المؤمنَ والكافرَ في الدنيا إذْ لا فرقَ بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنَّه رحمةٌ، وما يكون له في الآخرةِ، فوراءَ كلٍّ عذابٌ شديدٌ.
ـ لأنَّ كونَ التَخفيفِ ليس بِرحمَةٍ مِنْ كلِّ الوُجوهِ لا يَضُرُّ، وكُلُّ أهلِ النارِ يَتَمَنَّى التَخفيفَ: {وَقَالَ الذين فِي النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذابِ} غافر: 49. وحنانيْكَ، بعضُ الشَرِّ أهونُ من بعضٍ.
8 ـ لأنَّ قولَهم وعلى الثاني قيلَ يا رحمنَ الدنيا والآخرةِ الخ. فيه بعضُ شيءٍ، وهو أنَّه يَصِحُّ أَنْ يَكونَ بالاعتِبارِ الأوَّلِ لأنَّ نِعَمَ الدنيا والآخرةِ تَزيدُ على نِعَمِ الآخرةِ، يُجابُ عنه بأنَّه يَلزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكونَ ذُكِرَ رحيمُ الدنيا لَغواً، ولا يَلزم ذلك على اعتبارِ الكيفيَّةِ، إذْ المُرادُ يا مُولِيًا لِجِسامِ النِّعَمِ في الدارين ولِما دونَها في الدنيا. ومَقصودُ القائلِ التَوَسُّلُ بِكِلا الاسْمَيْنِ المُشتقَّيْن من الرحمةِ في مقامِ طلبِها مُشيراً إلى عُمومِ الأَوَّلِ وخُصوصِ الثاني، ويَحْصُلُ في ضِمْنِه الاهْتِمامُ برحمتِه الدُّنيَويَّةِ الواصلةِ إليه الباعثةِ لِمَزيدِ شُكْرِهِ. إلَّا أنَّه يُرَدُّ عليه كَسَابِقِهِ أنَّ الأَثَرَ لا يُعْرَفُ، والمَعْروفُ المَرفوعُ: "رحمنَ الدنيا والآخرةِ ورحيمَهُما" وكفايةُ كونِهِ مِن كَلامِ السَلَفِ ليسَ بِشَيءٍ كما لا يَخفى.
9 ـلأنَّ السؤالَ عن تقديمِ الرحمنِ معتَرَضٌ بمقبولٍ ومَردودٍ. وذكر ابنُ هشامٍ أنَّه غيرُ مُتَّجِهٍ لأنَّ هذا خارجٌ عن كلامِ العربِ إذ لَم يُسْتَعمَلْ صِفَةً ولامُجَرَّداً مِنْ "ألِ" فهو بدلٌ لا نَعْتٌ، والرَّحيمُ نَعْتٌ لَه لا نَعْتٌ لاسْمِ اللهِ سبحانَه، إذْ لا يَتَقدَّمُ البَدَلُ على النَعْتِ، ومِمَّا يُوضِحُ لك أنَّ الرحمنَ غيرُ صِفَةِ مَجيئِه كَثيراً غيرَ تابعٍ نحو: {الرحمنُ عَلَى العرش استوى} طه: 5. و{الرحمنُ * عَلَّمَ القرءانَ} الرحمن:1،2. و{قُلِ ادْعوا اللهَ أَوِ ادْعوا الرحمنَ} الإسراء: 110. و{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدوا للرحمنِ قَالُواْ وَمَا الرحمنُ} الفرقان: 60. وهو صفةٌ غالِبَةٌ ولمْ يَقَعْ تابِعًا إلَّا لله تعالى في البَسْمَلَةِ والحَمْدَلَةِ، ولِذا حُكِمَ عليه بغَلَبةِ الاسْمِيَّةِ وقَلَّ اسْتِعمالُه نَكِرَةً ومضافاً، فوَجَبَ كونُه بَدَلاً لا صفةً لكونِ لفظَةِ "الله" أعْرَفُ المَعَارِف، وقال غيرُ واحِدٍ: إنَّهما ما ذُكِرا لإفادَةِ الشُمُولِ والعُمُومِ كما تقولُ الكبيرُ والصغيرُ يَعرِفُه، ولو عَكَسْتَ صَحَّ وكان المَعنى بحالِه، ومِثلُه لا يَلْزَمُ فيه التَرتيبُ كما فُصِّلَ في "المَثَلِ السائرِ.
وللعُلَماءِ في هذا الترتيبِ كلامٌ كثيرٌ، فقدِ ادَّعى بعضُهم أنَّ التَحقيقَ يقتَضي أنْ يَرِدَ النَّظمُ على هذا الوجهِ ولا يَجوزُ غيرُه لأنَّ اللهَ اسمٌ للذات الإلهيَّةِ باعْتِبارِ أنَّ الكُلَّ منْه وإليْه، وُجُودًا ورُتْبَةً وماهيَّةً، والرَّحمةُ اسْمٌ له باعتبارِ إِفاضَةِ الرَّحمَةِ العامَّةِ، أَعني الوُجودَ على المُمْكِناتِ، والرحيمُ اسمٌ له باعتبارِ تخصيصِ كُلِّ مُمكِنٍ بحِصَّةٍ مِن الرَّحمةِ وهي الوُجودُ الخاصُّ وما يَتبعُه مِنْ وُجودِ كَمالاتِه، فلو لم يُورَدْ كذلك لم يَكنْ على النَّهجِ الواقعِ المُحَقَّقِ ذوقاً وشُهودًا، عَقْلًا وَوُجُودًا، ولمَّا كان المَقصودُ تعليمَ وجهِ التيَمُّنِ بأسْمائهِ الحُسْنى وتقديمِها عندَ كلِّ مُلِمٍّ كان المُناسِب أنْ يَبدأ مِن الأَعْلى فالأَعْلى إرْشادًا لِمَنْ يَقتصِرُ على واحدٍ أنْ يَقتَصِرَ على الأَوْلى فالأَوْلى، وتَقريراً في ذِهْنِ السامِعِ لِوَجْهِالتَنَزُّلِ أوَّلاً فأوَّلاً، ويُؤيِّدُ بعضَه بعضُ ما أسلفناه مِن الآثار، والبعضُ الآخَرُ في القلبِ منْه شيءٌ لأنَّ تخصيصَ الرحمنِ بالوُجوُدِ العامِّ والرحيمِ بالكمالات تَحَكُّمٌ غيرُ مَرْضِيًّ، وربَّما يُنافي المأثورَ، على أنَّه لا معنى لإفاضةِ الوُجودِ على الكُلِّ إلَّا تَخصيصَ كلِّ ممكنٍ بحِصَّةٍ منه. وهل يوجد في الخارج من النوعِ إلَّا الحِصَصُ الإفراديّةُ؟ فتخصيصُ الإفاضةِ بـ "الرحمنِ" والتخصيصُ بـ "الرحيمِ" على ما يَلوحُ بمَعزِلٍ عن التحقيقِ، والعَجَبُ مِمَّن فاتَه ذلك.
10 ـلأنَّ ما ذَكروه في الكلامِ على مَنْ قال بأنَّه غُلُوٌّ في الكُفْرِ فيَكونُ الإطلاقُ غيرَ صحيحٍ لُغةً وشَرعًا فيه أنَّه إذا كان إطلاقُه عليه ـ تعالى شأنه ـ مجازاً كما زَعموا وبالغَلَبَةِ فكيف يُقالُ إنَّ استِعمالَه في حقيقتِه وأصلِ مَعناهُ خطأُ لُغةٍ. وقد ذهبَ السِبْكِيُّ إلى أنَّ المَخصوصَ به تعالى هو المعرَّفُ دون المُنكَّرِ والمُضافِ لوُرودِه لِغيرِه، ورُدَّ به على القولِ بأنَّه مَجازٌ لا حقيقةَ لَه وأنَّ صِحَّةَ المَجازِ إنَّما تَقتَضي الوضعَ للحَقيقةِ لا الاستِعمالِ. نَعَم هو في لسانِ الشرعِ يُمنَعُ إطلاقُه على غيرِه مُطلَقاً وإنْ جازَ لُغةً كالصلاةِ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبذلك صرَّح العِزُّ بنُ عبدِ السلام. وقيل إنَّ رَحماناً في البيت مصدرٌ لا صفةٌ مشبَّهةٌ، والمُرادُ لا زلتَ ذا رحمةٍ، وفيه ما لا يَخفى وأفهَمَ كلامُه أنَّ الرَّحيمَ يُوصَفُ بِه غيرُه تعالى، وهو المَعروفُ، لكنْ أَخرجَ ابنُ أَبي حاتَمٍ عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّه قال: الرحيمُ لا يَستطيعُ الناسُ أنْيَنْتَحِلوه، ولَعَلَّ مُرادَه المُعَرَّفَ دونَ المُنْكَّرِ والمُضافِ.
11 ـلأنَّ المُحافظةَ على رؤوسِالآيِ إنَّما تَحْسُنُ بعدَ إيقاعِ المَعاني على النهجِ الذي يَقتَضيه حُسْنُ النَّظْمِ والْتِئامُهُ، فأمَّا أنْ تُهْمَلَ المَعاني ويُهْتَمَّ للتَحسينِ وحده فليس مِنْ قَبيلِ البَلاغَةِ.
وقال الشيخُ عبدُ القاهر الجُرجاني: أصلُ الحُسْنِ في جميعِ المُحَسِّناتِ اللفظيَّةِ أنْ تكونَ الألفاظُ تابعةً للمَعاني، فمُجرَّدُ المُحافظةِ على الرُّؤوسِ لا يَصيرُ نُكتَةً للتَقديمِ إلَّا بعدَ أنْ يُثبِتَ أنَّ المعاني إذا أُرسِلَتْ على سَجيَّتِها كانت تَقتضي التقديمَ، على أنَّ المُحافظةَ لا تَجري في كلِّ سورةٍ بلْ فيها ما يَقتضي خلافَ هذا كسورةِ الرحمنِ، وأيضاً هو مبنيٌّ على أنَّ الفاتِحةَ أَوَّلُ نازلٍ، فرُوعيَ فيها ذلك، ثمَّ اطَّرَدَ في غيرِها، وعلى أنَّ البَسمَلَةَ آيةٌ من السورةِ، ودون ذلك سورٌ من جديدٍ، ومن باب الإشارة أنَّ تأخيرَ الرحيمِ لأنَّه صفةُ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة: 128. وبِه عليه الصلاةُ والسلام كمالُ الوُجودِ وبالرَّحيمِ تَمَّتْ البَسْمَلةُ وبِتَمامِها تمَّ العالَم خَلْقاً وإبْداعاً. وكان صلى الله عليه وسلم مبتدأَ وجودِ العالَم عقلاً ونَفسًا، فبِهِ بَدْءُ الوُجُودِ باطِنًا وبِهِ خُتِمَ ظاهراً في عالَم التَخطيطِ، قال: ((لا رسولَ بعدي)). فالرحيمُ هو نبيُّنا عليه الصلاة والسلام وبسْمِ اللهِ هو أَبونا آدمُ عليه السلامُ، وأَعني في مَقامِ ابتِداءِ الأمرِ ونهايتِه، وذلك أنَّ آدمَ عليه السلام هو حاملُ الأسماءِ قال تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا}. البقرة: 13. ومحمد صلى الله عليه وسَلَّم حاملُ معانيَ تلك الأسماءِ التي حُمِّلَها آدمُ عليه السلام. قال البُوصيري رحمه الله في هَمزيَّتِه:
لك ذات العلوم من عالم الغيـ .................. ـب ومنها لآدم الأسماءُ
وهي الكَلِمُ، قال صلى الله عليه وسلم: ((أُوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ)) ومَن أَثني على نفسِه أَمكنُ وأتَمُّ ممَّن أُثنيِ عليْه كيَحْيى وعيسى عليهما السلام. ومَن حَصَلَ له الذاتُ فالأَسماءُ تحتَ حُكمِه وليس كلُّ مَن حَصَّلَ اسْمًا يكون المُسمَّى مُحَصَّلًا عندَه، ولِهذا فُضِّلتْ الصَحابَةُ علينا رُضوانُ اللهِ تعالى عليهم. فإنَّهم حَصَّلوا الذاتَ وحصَّلْنا الأَسماءَ. ولمَّا راعيْنا الاسْمَ مُراعاتِهم الذاتَّ ضوعِفَ لنَا الأَجرُ فللعامِلِ منَّا أَجرُ خَمسينَ ممَّن يَعملُ بِعَمَلِ الصَّحابةِ لا مِنْ أَعيانِهم بل من أَمثالِهم. والحَسْرَةُ الغَيْبَةُ التي لم تكن لَهم فكان تضعيفٌ على تَضعيفٍ فنحنُ الإخوانُ وهمُ الأصحابُ، وهو صلى الله عليه وسلم إليْنا بالأشواقِ، وما أفرَحَه بِلِقاءٍ واحدٍ منَّا، وكيفَ لا يَفرَحُ وقد وَرَدَ عليه مَن ْكان بالأشواقَ إليْه، وأَيْضًا وَجَدْنا بينَ اللهِ والرحمنِ مِن المُناسَبَةِ ما ليس بينَه وبين الرحيمِ، فلهذا قدَّمَ الرحمنَ على الرحيمِ، وبيانُ ذلك: أمَّا أوّلاً فلاقتِرانِ الرحمنِ بالجَلالَةِ في قولِه تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحمنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى} الإسراء: 110. وقد يُشعِرُ هذا الاقتِرانُ بجَعلِهِما للذاتِ، ولذلك اختارَ مَنِ اختارَ البَدَلَ على النَّعْتَ وجَعلوهُ إشارةً إلى مَقامِ الجَمْعِ المَرموزِ إليه بما صَحَّ عندَ القومِ مِنْ طَريقِ الكَشْفِ أَنَّ اللهَ تعالى خَلقَ آدم على صُورَتِه والرحيمُ ليس كذلك.
وأمَّا ثانيًا فلأنَّ في اللهِ وفي الرحمنِ أَلِفيْنِ، أَلِفُ الذاتِ وألفُ العِلْمِ، والأُولى في كلٍّ خَفِيَّةٌ والثانيةُ ظاهرةٌ، وإنَّما خَفِيتْ الأُولى في الأوَّلِ لِرَفْعِ الالْتِباسِ في الخَطِّ بيْن الله والإله، وفي الثاني ـ على ما عليه أهلُ اللهِ ـ في رَسْمِهِ وهو أحدُ الرسْمَيْنِ عندَ أهلِ الرُسومِ لِدَلالةِ الصِفاتِ عليْهما دَلالةً ضَروريَّةً مِنْ حيثُ قيامُ الصِّفةِ بالمَوصوفِ، فخَفِيتِ الذاتُ وتجلَّتْ للعالَمِ الصفاتُ فلَم يَعرِفوا مِن الإلهِ غيرَها، والجهلُ هنا كمالٌ وذلك حقيقةُ العبوديَّة. يقول ابن الفارض قُدِّسَ سِرُّه:
زِدْني بِفَرْطِ الحُبِّ فيكَ تَحَيُّرا ............ وارْحَمْ حَشًا بلظى هواكَ تَسَعَّرا
"الرحمنُ" مشيرٌ إلى الذاتِ وسائرِ الصِفات، فالأَلِفُ الظاهرةُ واللامُ والراءُ إشارةٌ إلى العِلْمِ والإرادةِ والقُدْرَةِ، والحاءُ والميمُ والنونُ إشارةٌ إلى الكلامِ والسمعِ والبَصَرِ، وشرطُ هذه الصفاتِ الحياةُ، ولا يَتَحَقَّقُ المَشروطُ بدونِ الشرْطِ، فظهرتِ الصِّفاتُ السَبْعُ بأسْرِها وخَفِيَتْ الذاتُ كما تَرى، وادَّعى بعضُ العارفينَ أَنَّ الأَلِفَ الخَفِيَّةَ هنا ظَهَرَتْ مِنْ حيثُ الجُزئيَّة مِن هذا اللفظِ في الشيطان بناءً على أخذِهِ مِن شَطَنَ، وزيادةُ الأَلَفِ فيه للإشارةِ إلى عمومِ الرَّحمةِ: {الرحمنُ عَلَى العرشِ اسْتَوى} طه: 5. فلِلشيطان أيْضًا حِصَّةٌ منها، ومنها وُجودُه. وبقيَ سِرٌّ لا يُمكِنُ كشفُه. وليس "الرحيمُ" كذلك إذْ ليس فيه إلَّا أَلِفُ العِلْمِ. ولمَّا كان هذا الاسمُ مُشيرًا إلى سَيِّدِنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم باعتبارِ رُتبتِه، ظهرتْ فيه لكونِه المُرسَل إلى الناسِ كافَّةً فطَلب التأييدَ فأُعطيَها فظهرَ بها.
وأمَّا ثالثاً: فقد طال النِزاعُ في تحقيقِ لفظِ الرحمنِ كما طالَ في تحقيقِ لفظِ اللهِ حتَّى تُوُهِّمَ أنَّه ليس بعربيٍّ لنُفورِ العَرَبِ منه فإنَّهم لمَّا قيلَ لهم: {اعبدوا الله}. النمل: 36. لم يقولوا وما اللهُ ولمَّا قيلَ لهمُ {اسجدوا للرحمنِ قالوا وَمَا الرحمن}. الفرقان: 60. ولَعَلَّ سببَ ذلك تَوَهُّمُهم التَعَدُّدَ وأنَّهم خافوا أنْ يَكونَ المَعبودُ الذي يَدُلُّهم عليه مِن جِنْسِهم فأنْكَروهُ لِذلِك، لا لأَنَّه ليس بِعَربِيٍّ. واخْتُلِفَ أيْضًا في الصَرْفِ وعدَمِه، قال ابنُ الحاجِبِ: النونُ والألِفُ إذا كانا في اسْمٍ فشَرْطُهُ العَلَمِيَّةُ، أوفي صِفةٍ فانتفاءُفَعْلانَةٍ، وقيلَ وُجودُ فَعْلَى، ومِنْ ثَمَّةَ اختُلِفَ في رحمنٍ دونَ سكرانٍ ونَدْمانٍ. وبَنو أَسَدٍ يَصْرِفون جميعَ فعْلان لأنَّهم يقولون في كلِّ مؤنَّثٍ فَعْلانَةٌ.
واختُلِفَ فيما لَزِمَ تذكيرُه، كلَحْيانٍ بِمعنى كبيرِ اللِّحْيَةِ، فمَن مَنَعَه أَلحَقَه بِبابِ سَكران لأنَّه أكثر، ومَن حَذَفَه رأى أنَّه ضَعُفَ داعي منعِه، والأصلُ الصَرْفُ، واختارَ الزمخشريُّ وابنُ مالكٍ والبيضاويُّ عدمَ الصَرْفِ إلحاقاً له بما هو أغلب في بابه، لأنَّ الغالِبَ في فَعْلان صفةُ فَعْلى حتَّى ذَكَرَ الإمامُ السُيُوطيُّ أنَّ ما مؤنَّثُه فَعْلانةٌ لم يَجِىءْ إلَّا أَرْبعةَ عَشَرَ لَفظاً، بل إنَّ فَعْلان صِفةٌ مِن فِعل بالكَسْرِ لم يَجىءْ منه ما مؤنَّثُه فَعْلانةٌ أصلاً، إلَّا ما رَواه المَرْزوقيُّ مِن خَشيان وخَشيانة، وإنِّما اقْتَضى الإلْحاقُ أظهريَّةَ ذلك، مع أنَّ كونَ الأصلِ في الاسمِ الصَرْفُ يقتضي خلافَه لأنَّ رعايةَ ما هو الغالبُ في النوعِ أَوْلى مِن رِعايةِ الأصلِ.
والإعمالُ في الجُملَة أوْلى مِنْ الإهمالِ بالكُلِّيَّةِ، وحيث لم يُسمَعْ هذا الاسْمُ إلَّا مُضافًا أو معرَّفاً بألْ أو مُنادى، وما وَرَدَ شاذًّا لا يَصلُحُ شاهدًا لأَحَدِ الأمريْن لاحتمالِ أنْ يكونَ ممنوعًا وألِفُه للإطلاق عدلوا إلى الاستِدلالِ، واتَّسَعتْ دائرةُ المَقال و"الرحيم" سليمٌ من هذا.
قولُه: {الرحمنِ الرحيمِ} نِعْتٌ أو بَدَلٌ، وقُرِئا منصوبَيْنِ ومَرفوعَيْنِ، وقد ذَكرنا ذلك في البَسملةِ بالتفصيلِ فلا حجةللإعادة.
مالك يوم الدين (3)
المالكُ مَنْ لَه المُلكُ، وهو ـ سبحانَه المَلِكُ المالكُ، وله المُلك. فهو بإلهيَّتِه متوحِّدٌ، وبمُلكِه متفرِّدٌ، مَلَك نفوسَ العابدين فصَرَفَها في خدمتِه، ومَلَك قلوبَ العارفين فشَرَّفَها بمعرفتِه، ومَلَكَ نفوسَ القاصدين فتيَّمها، ومَلَكَ قلوبَ الواجدين فهيَّمها. ملك أشباحَ منْ عبَدَه فلاطَفَها بِنَوالِه وأَفضالِه، وملك أرواح مَنْ أحبَّهم فكاشَفَها بِنِعْتِ جَلالِهِ و
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة الفاتحة (4)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
¸ ღ منتديات ســـــما ســــــلقين ღ¸ :: قسم الشاعر عبد القادر الأسود :: سما الدراسات و البحوث والمقالات النثرية-
انتقل الى: